تاريخ وجغرافياثقافةشمال 360

من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [20]

الصورة لمدشر “أوفاس”

بلال الداهية

إن آخر قبائل غمارة الداخلية هي قبيلة بني رزين، والتي تحتل المرتفعات الفاصلة بين جبال بني خالد الشديدة الارتفاع من جهة الجنوب، وبين جبال بني سميح ومتيوة المطلة على البحر من جهة الشمال، وتتكون هذه القبيلة الغمارية الأخيرة من خمسة فرق: بنو مراق وأوفاس وتمريخت وبنو قاسم وفرقة الوسطيين.

تنتسب القبيلة إلى شخص يدعى “رزين”، وفي الرسوم وكتب الأنساب القديمة هو ابن “نال”، وقد عبر عنه في غالب كتب الأنساب ب”رزين بنان” بإضغام نون عبارة “بن” ومع نون عبارة “نال”، وإبدال اللام الأخيرة نونا. وكان أهل بني رزين الأكثر إصرارا على رفع أنسابهم إلى “نال” المذكور، حرصا على ادعاء الشرف.

إن نسب بني رزين الأوائل على الأرجح ليس في غمارة، فالجد الأعلى “رزين” كان من أصحاب طارق بن زياد ودخل معه الأندلس فاتحا، ونسبه في قبيلة هوارة البربرية وليس في غمارة، ونزل بنو رزين مع أقاربهم بني ذي النون الهواريين في الثغر قرب الحدود مع الممالك النصرانية كما كان حال الأغلبية من البربر. وخمد ذكر هذه العائلة زمنا طويلة حتى وقعت الفتنة في قرطبة واضطرب أمر الخلافة، وتغلبت الخوارج على الأمصار، فوثب بنو ذي النون على طليطلة، وانفصل بنو رزين بطائفة شنتمرية الشرق ابتداء من 403 هـ برئاسة هذيل بن عبد الملك الرزيني المعروف ب”ابن الأصلع”.

وشأنها في ذلك شأن سائر ملوك الطوائف فقد دخلت طائفة شنتمرية في صراع مع جيرانها، خصوصا من التجيبيين ثم بني هود رؤساء طائفة سرقسطة، ومنذ وفاة هذيل سنة 436 هـ ووصول ابنه عبد الملك إلى الإمارة أخذت هذه الطائفة بسياسة النأي عن الحروب الواقعة بين ملوك الطوائف، ولكن سقوط مدينة طليطلة في يد الملك ألفونسو السادس عام 478 هـ جعل بني رزين يلجؤون إلى دفع الجزية للرومي اتقاء لشره كما فعل جل رؤساء الطوائف، وحينما دخل المرابطون الجزيرة وعزلوا سائر ملوك الطوائف نهائيا عام 484 هـ حافظوا على استقلال طوائف سرقسطة والجزائر الشرقية (الباليار) وطائفة شنتمرية هذه، مما جعلها عرضة للغارات المتواصلة ل”كونت ألبرهانش” (Alvar Hañez) و”السيد القمبيطور” (Rodrigo Diaz de Vivar) وهما أكبر قادة ملك قشتالة، وقاد القمبيطور أعنف هذه الحملات عام 482 هـ واضطر ابن هذيل إلى الخروج إلى معسكره وتقديم عشرة آلاف دينار أتاوة له مقابل انسحابه، وحينما حاول التملص من أداء هذه الأتاوة والاستعانة بالملك بيدرو الأول صاحب أراغون والكونت ريدموند صاحب برشلونة، عاود القمبيطور غزو شنتمرية واضطر ابن رزين إلى مهادنته من جديد، وحينما توفي عبد الملك خلفه ولده حسام الدولة يحيى فبلغ من الهوان والتخاذل وإعطاء الدنية للرومي ما جعل المرابطين يخلعونه ويدخلون مدينة شنتمرية في عام 497 هـ لتنتهي إمارة بني رزين الهواريين. وهاجر بنو رزين هؤلاء من الأندلس إلى جبال غمارة على ما يبدو في نهاية العصر الموحدي ليؤسسوا قبيلة بني رزين الحالية، وقد بقيت بعض العائلات المنتسبة إلى هذه القبيلة تضيف لقب “الأندلسي” بعد “الرزيني” في العصور المتأخرة.

في مطلع العصر الحديث بدأت هذه القبيلة تذكر على أساس أنها من بني نال الذين ألصقوا كما قلنا سابقا بالنسب الإدريسي الشريف، وقد ذكر الوزان هذه القبيلة فلم يطل في وصفها ومن جملة ما يستفاد من كلامه أن نساء القبيلة مثل سائر قبائل غمارة كن يقمن بمعظم أعمال الفلاحة من رعي وحرث للأرض وغيره.

ومما يفهم من كلام النسابة ابن رحمون أن بني رزين كلهم – أو جلهم – بدؤوا يدعون الشرف واصطنعوا لذلك رسوما مزورة ومشجرات تنتهي إلى عبد السلام بن مشيش فيها من الخلط والأخطاء ما جعل نقباء الأشراف يتصدون لهذه الظاهرة، وقد سجل ابن رحمون أن أكثر هذه الدعاوى قد ظهرت في مدشر “تيفركيوان” الذي سمى أهله بأهل “أغيل” وأهل “أورمان”، ولعلهما اسما “حومتين” من المدشر المذكور، وأهل مدشر “بني قاسم” وخصوصا عائلتا “أحضران” و”أمجراد”، وكل هذه الرسوم قد رفعت إلى “رزين بنان” أي “رزين بن نال” من ولديه الاثنين” سعيد وبكار. وهذه المعلومات وإن كانت مقتضبة جدا فإنها تفيدنا بأن بني رزين الأوائل قد انحدروا من هذين الجدين ثم شرع أغلبهم بعد تكاثر أعدادهم في ادعاء الشرف بالزور، ولعل هذا ما جعل الدولة الوطاسية تعفيهم من الضرائب، فليون الإفريقي قد ذكر أن بني رزين تحديدا لا يدفعون أية ضريبة للدولة، وربما استمر ذلك حتى في العهد السعدي إلى بداية العهد العلوي حينما تجند النقباء لإبطال ذلك في عهد السلطان إسماعيل.

في العهد الإسماعيلي تحديدا وقعت حادثة معروفة إلى الآن عند قبائل غمارة، هي حادثة “أبي حدو” الذي تلعنه قبائل غمارة، والرجل هو أبو حدو محمد بن حدو الريفي قائد تطوان والبلاد الهبطية والجبلية والغمارية والريفية الذي عين في العهد الإسماعيلي، وتقول الرواية الشفهية المتوارثة لقرون: إن مجاعة قد وقعت بهذه الجبال، وحضر بعض رجال غمارة إلى أبي حدو فوزع عليهم حبوبا ليزرعوها، على أن يقسموا الغلة بعد الحصاد فيأخذون حصتهم ويدفعون للمخزن حصته، فلما حان وقت الحصاد أكلوا الزرع كله، ثم ذهبوا إلى أبي حدو معتذرين بأن الزرع لم يثمر بل نبت في محله الشوك، فقبل عذرهم إلا أنه ألزمهم بأن يحصدوا ذلك الشوك، وأرسل معهم قوة من العسكر أجبرتهم على حصاده بأرجلهم بعد أن ألبسوهم أحذية من الكاغد. والروايات الشفهية بالإجماع تقريبا تقول إن القبيلة الغمارية التي وقعت بها هذه الحادثة هي قبيلة بني رزين، ولكن معظم أهل غمارة ظلوا يلعنون الرجل لقرون تضامنا مع هذه القبيلة. وهو تضامن أثار استغراب محمد داود وقال إنه لم ير أشخاصا يلعنون رجلا بتلك الحرارة سوى ما رآه من أحد الروافض في مسجد بمدينة “النجف” العراقية يجهر بلعن يزيد بن معاوية في كل أذان.

في القرون الأخيرة استقبلت قبيلة بني رزين الكثير من المهاجرين من قبائل الريف، وظهر هذا خصوصا في حديث مولييراس عن هذه القبيلة، وأظن أن هؤلاء الريفيين لم يستوطنوا القرى فقط، بل كانوا وراء تأسيس بعضها، ومنها على ما يبدو قرية “أمزاورو” (الأول) التي سكنتها أسرة “أريفي” وأسر أخرى لعلها تنتمي إلى نفس الأصل من عائلة “أشفاي” و”أجندوز” و”مصبيح”…

ومن قبيلة كتامة جاء أشهر أولياء القبيلة المسمى “سيدي أكثام الحياني” (أكثام بضم الكاف تعني “الكتامي”)، وضريحه في أعلى قمة من جبل “باب تايرسلت”، ويقصد الناس هذا الضريح للتداوي بدودة العلق التي تكثر بجواره وتنفع في علاج الجروح والتعفنات، وفي سفح هذا الجبل بجوار مدشر “تمريخت” يوجد ضريح ابن أكثام هذا الذي يسمونه “سيدي سول”، وتوجد بين الضريحين آثار أقدام ضخمة يزعمون أنها لسول هذا الذي كان يذهب لزيارة أبيه في رأس الجبل. والمدشر المذكور (تمريخت) فيه عائلة كبيرة اشتهرت بكثرة الفقهاء هي عائلة “أيتونة” وانظر هل لقبها هذا مكون من لفظي “آيت” و”أونة” الدال على أصل ريفي أيضا. وفي مدشر “أساكي” ضريح يسميه الناس “سيدي الحاج التوزاني”، وهي نسبة إلى قبيلة بني توزين وهي من قبائل الريف.

ومن جملة الأفاقيين الذين استوطنوا هذه القبيلة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر رجل مدفون بمدشر “أوفاس” يدعونه “سيدي ستار” ويزعمون أنه من فيكيك، ومثله عائلة السباعيين المنتسبين إلى الشرف الذين جاء بعضهم من بني زروال ودفن جدهم الأعلى أحمد بن عمران السباعي في مدشر “تمريخت”. وربما كان أصل الحمداشيين الساكنين بمدشر “احمادشة” من مكناس كما تزعم بعض الروايات.

ولا تخلو هذه القبيلة في الغالب من بعض المهاجرة المتأخرين من أهل الأندلس، وأشهر العائلات الأندلسية حسب القائمة التي نقلها ابن عزوز حكيم عن مخطوط برهون: أولاد “طنان” الساكنون بمدشر “أوفاس” و”أمزاورو”. وعائلة “الرباج” في مدشر “أساكي” التي عد ابن عزوز لقبها مطابقا للقب (Rivas) الأعجمي الذي يظهر الآن بكثرة في بلدة Dos Hermanas من فحص إشبيلية، وقد وقفت على ما يدل على إنكار الشيخ أبي أويس محمد بوخبزة الحسني لهذه النسبة الأندلسية وأنه لا يجب الأخذ بها بغير دليل قاطع. والله أعلم بذلك.

ومن أعيان بني رزين أولاد “ابن صالح” وهم منتسبون إلى الشرف وأصلهم من متيوة كما يأتي، وموطنهم مدشر “أزغار” وبرز منهم الكثير من الفقهاء ثم انتهت إليهم منذ منتصف القرن التاسع عشر قيادة هذه القبيلة.

الشمال 360

منصة الكترونية شاملة تتناول قضايا شمال المغرب من كل الزوايا وفق رؤية جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى